ثقافة فيلم "فيورد" لكريستيان مونجيو في المسابقة الرسمية لمهرجان كان: عمل ذو أهمية قصوى
بقلم الناقد الطاهر الشيخاوي
مع الأسف الشديد، تغييب الأحداث الجارية في فلسطين ولبنان في برمجة الدورة 79 لمهرجان كان، يؤكد سياسة الإنكار التي تميز المؤسسة الثقافية الرسمية بفرنسا.
عند تقديمه صباح اليوم للفيلم الفلسطيني "البارح العين ما نامت" للمخرج اركان مياسي اقتصر تيري فريمو المندوب العام للمهرجان على عبارة "شعب بلا أرض" دون أي اشارة إلى المجازر التي ما انفك يتعرض لها الشعب الفلسطيني. مع العلم أن الفيلم بعيد كل البعد عن هذه المسائل، هذا بقطع النظر على قيمته السينمائية في المطلق. الجدل يتعلق بالبرمجة ولا بأهمية الفيلم.
في الوقت ذاته لم تغب الأفلام التي تتناول حروبا أخرى، إلا أنها تحظى بنوع من الإجماع ينأى بالمسؤولين على أي لائمة أو عتاب. كتلك الدائرة بين روسيا وأكرانيا، وهي مثلا في صلب موضوع "مينوتور" للمخرج الروسي المنشق أندراي زفياقينتساف.
لكن في الأبعاد السياسية لا بد من الإشارة إلى عمل لم يجد لدى الاعلام هنا العناية الجديرة به رغم معاصرته للأوضاع الحالية في العالم وهو "فيورد" للمخرج الروماني كريستيان مونجيو. أعتقد أنه أبرز وأقوى ما شاهدته إلى حدّ الآن.
عائلة قادمة من رومانيا (الزوج روماني والزوجة نرويجية) تستقر في قرية صغيرة في النرويج بحثا على حياة أفضل. يتم استقبالها دون مشاكل بل بترحاب خاصّة من طرف جيرانهم. ولكن سرعان ما تأخد الأحداث مجرى لم يكن في الحسبان.
تلاحظ المدرّسة أثرَ كدمة على كتف إبنة العائلة النرويجية، فتسرع إلى إعلام الإدارة بالأمر ومنها إلى رفع تقرير إلى الجمعية المكلفة بحماية الطفولة. تكبُر القضية فيُـتَّهم الأبوان بممارسة العنف ضد أبنائهم. من هنا يُفتح جدلٌ حول تربية الناشئة وتبرز خلافات بين اتجاهين، اتجاه العائلة القادمة من رومانيا وهي محافظة جدّا والمؤسسة التربوية النرويجية المعروفة برفضها لأي شكل من أشكال العنف ضدّ الأطفال.
تبدو القضية بسيطة إذا تناولناها من وجهة تربوية بحتة ولكنها في الواقع أكثر تعقيدا. فالمسألة، مع أنها دينية، تتسم ببعد ثقافي ونفسي عميق. المدرسة النرويجية كعديد المدارس الغربية تقصي التربية الدينية من التعليم بينما يختلف الأمر بلدان أخرى. لكن ليس هذا المقصود تماما.
تفرّد الفيلم يكمن في كيفية طرحه لحياد المؤسسة الذي يكتسي أحيانا طابعا أيديولوجيا بل دغمائيا دينيا في شكل لائكي مناهضا للحرية، فما يحرّم من ناحية يصبح مقبولا من ناحية أخرى. طريقة الإخراج ومتابعة النقاشات الدائرة أثناء التحقيق تضعان المشاهد في حيرة من أمره، فما يعتقد أنه صحيح ثابت يبدو غلافا يخفي أحكاما مسبقة عن الثقافات الأخرى. والسؤال الجوهري يصبح جهل الأبعاد التاريخية والثقافية لمجتمعات يُعتقد أنها متخلفة.
فالكلمات والحركات لا تحمل نفس المعاني. اللافت أن مونجيو معروف بمناهضته للتطرف الديني ولكن السؤال في هذا العمل يتجاوز المحافظة والتقدمية ويتعلق بأنثروبولوجيا الثقافة وتأويل التصرفات البشرية.
من هنا تأتي أهمية السينما التي تشتغل في جوهرها على جزئيات الحركة. عمل في غاية من الأهمية يستحق التنويه.